ابن أبي الحديد
27
شرح نهج البلاغة
[ ذكر طرف من سيره النبي عليه السلام عند موته ] فاما وفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وما ذكره أرباب السيرة فيها فقد ذكرنا طرفا منه فيما تقدم ; ونذكر ها هنا طرفا آخر مما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه . قال أبو جعفر : روى أبو مويهبة ( 1 ) مولى رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : أرسل ( 2 ) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في جوف الليل ، فقال : " يا أبا مويهبة انى قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع ، فانطلق معي " فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم ، قال : " السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى " ثم اقبل على فقال : " يا أبا مويهبة انى قد أوهبت ( 3 ) مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها والجنة ( 4 ) ، فخيرت بينها وبين الجنة ، فاخترت الجنة " ، فقلت : بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها والجنة جميعا ، فقال : " لا يا أبا مويهبة ، اخترت لقاء ربى " ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف ، فبدا بوجعه الذي قبضه الله فيه ( 5 ) . وروى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة ، قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الليلة من البقيع ، فوجدني وانا أجد صداعا في رأسي ، وأقول : وا رأساه فقال : بل انا وا رأساه ثم قال : " ما ضرك لو مت قبلي ، فقمت عليك فكفنتك ، وصليت عليك ودفنتك " فقلت : والله لكأني
--> ( 1 ) ذكره الطبري 1 : 1780 ( طبع أوروبا ) . في موالي رسول الله صلى الله عليه وآله . وقال : " قيل إنه كان من مولدي مزينة ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله فأعتقه " . ( 2 ) الطبري : " بعثني " . ( 3 ) الطبري : " أتيت " . ( 4 ) الطبري : " ثم الجنة " . ( 5 ) تاريخ الطبري 1 : 1799 ، 1800